كلمة سمو رئيس الهيئة
منذ الملتقى الأول الذي عقد في مدينة الرياض حول التراث العمراني في الدول الإسلامية في (مايو 2010م) برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، وأنا أفكر في آلية تجعل الاهتمام بالتراث العمراني مستمر، لذلك عقدت العزم على تحويل ذلك الحدث الكبير إلى حدث وطني يمكننا من مراجعة التراث العمراني في كل عام ويجعل المواطنين على صلة دائمة بتاريخهم وقصص المكان الذي خرج منها آبائهم وأجدادهم الذين ساهموا في وضع اللبنات الأولى لهذا الوطن.
لم يكن همي "الاحتفال" بقدر "الاتصال" و "التواصل" لذلك وضعت في اعتباري منذ البداية أن يكون هذا الحدث فرصة للتطوير والمراجعة وأن يكون كل ملتقى مثل علامة على الطريق تبين المسافة التي قطعناها والمسافة المتبقية لنا.
كنت افكر في ملتقى يعمل كمنصة للتواصل Platform of Communication مع كل فئات المجتمع من أجل إيصال ثقافة التراث وتأكيدها بين أفراد المجتمع. بالنسبة لي لم يكن الملتقى مؤتمراً علمياً وإن كان يحتوي على هذا الجانب العلمي والبحثي المهم، فالمؤتمرات كثيرة، كما أن الملتقى ليس مجرد فعاليات، بل هو وعاء "اتصالي" متكامل يهدف بالدرجة الأولى إلى الوصول إلى كل فئات المجتمع من أجل إيصال التراث لقلوب الناس جميعاً.
يجب أن أقول هنا أن الهدف هنا أكبر من مجرد عقد ملتقى نحتفل فيه بالتراث العمراني، فقد كنا نسعى إلى إحداث حراكا اجتماعيا/ثقافيا مستمراً ومرتبطاً بقضية التراث ويكون الملتقى فرصة "التلاقي" والحوار وعرض الانجازات التي تمت طوال العام. فالأيام القليلة التي يعقد فيها الملتقى كما أراها هي استعراض لما تم إنجازه في عام منصرم وتخطيط لعام قادم.
فنحن لا نريد أن تنطفئ الشعلة التي اشتعلت في قلوب وعقول الناس وهذا التجمع هو الموقد لها.
ومع ذلك يجب أن أقول أنه كانت لي أهداف متعددة من الملتقى، وإن كانت كلها تصب في مفهوم التواصل، فقد كنت أرى أن الملتقى قد يكون فرصة سانحة لبناء "حلفاء" لدعم المحافظة على التراث العمراني، وهؤلاء الحلفاء يمكن أن يكونوا من الأهالي المالكين لمواقع التراث أو مؤسسات الدولة التي تتقاطع مهامها مع التراث العمراني أو حتى من رجال الأعمال والمثقفين أو ببساطة من عامة الناس. قلت في نفسي إن نجاح أي برنامج لإعادة الحياة لمواقع التراث العمراني في المملكة بحاجة لمثل هذه التحالفات فنحن نعاني من مشكلة أساسية وهي انقطاع الحياة في المواقع التاريخية وهذه المشكلة لا تحل بترميم المواقع ولكن عن طريق الاستثمار فيها من خلال القاعدة الاجتماعية وليس فقط من خلال تبني المشروعات الكبرى بل يجب أن يكون هناك توازن بين تمكين المجتمع المحلي والاستثمارات الكبيرة حتى لا تنقطع الروابط العاطفية مع المكان وحتى تكون قصة المكان حاضرة في أذهان الناس الذين سيعيشون في هذه المواقع.
هذا هو الملتقى الخامس لعام 2015م، ويعقد في القصيم، تتميز منطقة القصيم بعدد من مواقع التراث العمراني , التي يتم العمل على تطويرها مع الشركاء في المنطقة من البلديات والمجتمع المحلي والقطاع الخاص . ملتقى التراث العمراني الوطني يعزز هذه الرؤية ويقويها ويجعل منها "ثقافة وطنية"، فإذا كنا نسعى للتواصل مع كل فئات المجتمع كذلك نحن نريد أن نكرس البعد العلمي/المنهجي الذي يقرأ ويحلل تراثنا العمراني.

صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني
رئيس مركز التراث العمراني الوطني